د. يوسف زيدان يكتب:الأسئلة التأسيسية (١/٧) ..
هل تحتاجُ مصرُ رئيساً للجمهورية؟

فى المقالة التى نُشرت هنا الأسبوع الماضى، وكانت الأخيرة من سباعية «الحكمة المؤنثة»، طرحتُ رؤية مغايرة لما هو سائد فى أذهان الناس عن شخصية الفرعون المصرى القديم (إخناتون) وجعلتُ ذلك مستفاداً من كلام الملكة نفرتيتى، على النحو المجازى «الرؤياوى» الذى جاءت عليه المقالة وبقية مقالات السباعية..
فأثار ما طرحته بواطن كثيرين ممن اعتادوا مديح إخناتون بأنه «أول من نادى بالتوحيد.. الفرعون الذى عرف طريق الحق.. الملك الذى جعل الفن المصرى القديم واقعياً» وغير ذلك من الخرافات والأوهام التى تلقَّاها أهلونا وهم صغار، عن طريق المقررات الدراسية المتخلِّفة ووسائل الإعلام الأكثر تخلفاً.
وقد راسلنى بعضُ القراء لعرض اعتراضهم على وجهة نظرى (المخالفة) فى إخناتون، فطرحتُ الأمر للنقاش على صفحتى الشخصية بالفيس بوك، وهى الصفحة التى يبلغ أعضاؤها عدداً: خمسة آلاف صديق، أربعين ألف متابع، خمسة وعشرين ألف عضو فى الصفحات المرتبطة بها. وكان من المفترض أن نبدأ النقاش حول هذه المسألة، مساء يوم الخميس الماضى، فإذا بكثيرين يطلبون تأجيل الأمر لليوم التالى، لأن «مناظرة رئاسية» سوف تجرى مساءً وتجذب أنظار الناس، لأهميتها، والأنسب أن يكون نقاشنا صباح يوم الجمعة.. فكان الأمر كما طلبوا.
وهكذا وجدتنى ليلة الخميس خالى الوفاض والبال، ولا يشغلنى شىءٌ مهمٌّ، فشاهدتُ المناظرة التى امتدت لقرابة خمس ساعات سبقتها لحظاتٌ طوالٌ مفعمة بحركات التشويق السينمائى والتهويل الإعلامى والإيقاعات الموسيقية القوية المبشرة بأننا على وشك الدخول فى اللحظة الفارقة التى فيها يظهر النبأ العظيم وتتجلَّى الواقعة المروِّعة، وغير ذلك من التهاويل التى لم تكن تعنى بالنسبة لى الكثير، لأننى حسبما أعلنتُ قبلها بشهرين: لن أشترك فى هذه العملية الهزلية التى أراها إحدى حلقات مسلسل الإلهاء العام.
كان الأمر إذن، بالنسبة لى، مسألة (فُرجة) لا أكثر. وما دام الناسُ يهتمون بالمناظرة الرئاسية هذه، فلأهتمَّ بها، لأننى مهتمٌّ بهم.. غير أننى بقيتُ طيلة (المناظرة) أتميَّزُ غيظاً وحنقاً بسبب الوقت الذى يفوت هدراً على البلاد، وبسبب الأسئلة الموجَّهة والإجابات المترهلة.. حتى بلغ بى السيلُ الزُّبى، عندما قال أحدُ المرشحَيْنِ إنه يزكى نفسه على الناس، لأنه الأنسب لقيادة مصر فى بداية «الجمهورية الثانية»، وعندما قال المرشحُ الآخرُ وهو يدفع عنه تهمة التشدُّد الدينى، إنه يؤمن بحرية العقيدة استناداً إلى الآية القرآنية «من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر».
وعندئذٍ، رأيتُ من المحال ومن غير المنطقى، أن أبدأ اليوم سباعية «الحكمة المشرقية» لأن الخبل العام وصل بنا إلى درجةٍ لا يمكن معها استقبال أىِّ حكمة من أىِّ نوع، لا شرقية ولا غربية، والأَوْلى تأجيل الكلام الذى كنتُ أنوى الخوض فيه والإفاضة، آملاً فى إتاحة «المعرفة» التى أعلنتها من جانبى عنواناً لهذا العام ٢٠١٢، والتزمتُ بذلك فى كل ما أقوم به من لقاءات ثقافية ومناقشات فلسفية وسباعيات المقالات..
لأن الأهمَّ فيما رأيتُ، والأَوْلى، توجيه الأنظار إلى بديهيات معرفية، قد تكون أبسط من «الحكمة» لكنها أَدْعى وأكثر إلحاحاً، ولابد من طَرْحها على وعىٍ جمعىٍّ يزعم فيه «مُرشَّح رئاسى» أننا بصدد الدخول إلى الجمهورية الثانية، كأننا خرجنا من زمن الجمهورية الأولى التى ابتدأت بثورة «ناصر» وأنصاره، وانهارت بانهيار مبارك وأعوانه..
ما هذا الخلط والتخليط؟.. جمهورية!..
هل كان الحكم فى مصر طيلة الستين سنة التى سبقت ثورة يناير، جمهورياً؟.. يا سلام!..
فما هو إذن الحكمُ الاستبدادى، وما هى إذن سيطرةُ العسكر على الحكم، وما هى إذن دولةُ التواطؤ بين السلطات ورأس المال؟
إن معنى «الجمهورية» حسبما عرفناه لأول مرة فى التاريخ من محاورة أفلاطون التى تحمل هذا العنوان نفسه، هو أن الجمهورية شكلٌ من أشكال الحكم السياسى، يختلف عن «الأوليجاركية»، أى التحالف الفاسد بين أصحاب السلطة وأصحاب المال (وهو ما رأيناه فى زمن مبارك) ويختلف عن «الاستبداد» أى انفراد حاكم واحد بالرأى وبكرسى الحكم حتى انقضاء أجله بالوفاء (وهو ما رأيناه فى الزمانين الناصرى والساداتى)..
فأين هى أصلاً الجمهورية، الأولى، حتى يمكن الكلام عن جمهورية ثانية أو ثالثة؟
صحيحٌ، أن أخطر شىء على العقل الإنسانى، الفردى والجماعى، هو أن تكون البديهيات فيه منكفئة.. وقد يكون هذا «الانكفاء» أقل خطورةً لو كان فى أذهان الجهلة والبسطاء من الناس، لكنه بالقطع أخطر وأنكى حين يكون فى ذهن أحد المرشحين، المتناظرين.
وأما المرشحُ الآخر، الزاعمُ بأن الإسلام لا يجد بأساً فى حرية العقيدة، بدليل الآية القرآنية «من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» فهو
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ